محمد جمال الدين القاسمي

426

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أي : حين اجترءوا على التفوه بهذه الجملة الشنعاء ، وذلك منهم مبالغة في إنكار إنزال القرآن على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فألزموا بما لا سبيل لهم إلى إنكاره أصلا ، حيث قيل في جواب سلبهم العام ، بإثبات قضية جزئية بديهية التسليم : قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً حال من الضمير في بِهِ أو من الْكِتابَ ، وَهُدىً لِلنَّاسِ أي : ضياء من ظلمة الجهالة ، وبيانا يفرق بين الحق والباطل ، تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها : يجزئونه أوراقا يبدونها للناس مما ينتخبونه . أي : فكيف ينكر إنزال شيء ، وهذا المنزل المذكور ظاهر للعيان . والعدول عن التوراة إلى ذكر الكتاب وصفته ، والحال بعده - لزيادة التقريع ، وتشديد التبكيت ، وإلقام الحجر . وَتُخْفُونَ كَثِيراً معطوف على ( تبدونها ) ، والعائد محذوف . أي : كثيرا منها . أو كلام مبتدأ لا محل له من الإعراب . أي : وهم يخفون كثيرا . أي : ومع ذلك فالإلزام يكفي بما يبدونه ، المعترف لديهم بحقيّته . وفيه نعي على أهل الكتاب بسوء صنيعهم المذكور ، إذ ما يريدون بإخفاء كثير منها إلا تبديل الدين . وَعُلِّمْتُمْ أي : على لسان محمد صلى اللّه عليه وسلم ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ من المعارف التي لا يرتاب في أنها تنزيل ربانيّ ، قُلِ اللَّهُ أي : أنزله اللّه ، أو اللّه أنزله . أمره بأنه يجيب عنهم ، إشعارا بأن الجواب متعين لا يمكن غيره ، وتنبيها على أنهم بهتوا ، بحيث إنهم لا يقدرون على الجواب . ثُمَّ بعد التبليغ وإلزام الحجة ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ أي : في باطلهم يَلْعَبُونَ أي : يفعلون فعل اللاعب ، وهو ما لا يجرّ لهم نفعا ، ولا يدفع عنهم ضررا ، مع تضييع الزمان . تنبيه : في هذه الآية قولان : الأول - أنها مكية النزول تبعا للسورة ، وأن القائل ذلك هم المشركون ، وإلزامهم إنزال التوراة ، لما أنه كان عندهم من المشاهير الذائعة ، وهذا هو الظاهر . قال ابن كثير : قال ابن عباس « 1 » ، ومجاهد « 2 » وعبد بن كثير : هذه الآية نزلت في قريش ، واختاره ابن جرير . قال ابن كثير : وهو الأصح ، لأن اليهود لا ينكرون إنزال

--> ( 1 ) الأثر رقم 13542 من التفسير . ( 2 ) الأثر رقم 13541 من التفسير . وصوابه : عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا .